هل يمكن أن يتحول الإيمان المسيحي، في قلب الاحتلال، من عقيدة تُمارس في الكنيسة إلى موقف يُنتج فهمًا جديدًا للأرض والعدالة والهوية؟
ماذا يحدث عندما يصبح الكتاب المقدس نفسه ساحة للصراع على فلسطين؟ وهل تكفي قراءة النص من منظور مسيحي فلسطيني لمواجهة القراءات التي استخدمته لتبرير الاحتلال؟ وأين تقف وثيقة «كايروس فلسطين» بين اللاهوت، والسياسة، والهوية الوطنية؟
في هذه الدراسة أقرأ «وقفة حق» (2009) ليس باعتبارها مجرد بيان كنسي احتجاجي، بل كنص يحاول بناء لاهوت فلسطيني من داخل تجربة الاحتلال. أتتبع كيف سمّت الوثيقة الاحتلال «خطيئة»، وكيف أعادت قراءة الأرض والوعد والكتاب المقدس، وكيف فصلت بين اليهودية والصهيونية، وكيف أعادت تعريف المسيحي الفلسطيني بوصفه شاهدًا وفاعلًا في قضيته ومجتمعه.
لكن الدراسة لا تتوقف عند عرض ما تقوله الوثيقة. في القسم الأخير أطرح السؤال الأصعب: عندما نقرأ النص المقدس من داخل تجربة المظلوم، أين تنتهي سلطة السياق وأين تبدأ سلطة النص؟ وهل تستطيع كايروس أن تحرر الكتاب المقدس من التوظيف السياسي من دون أن تجعل التجربة السياسية نفسها معيارًا يوجّه التأويل؟
المحتويات:
المقدمة: اللاهوت في مواجهة السياق السياسي
المحور الأول: كايروس فلسطين – النشأة والسياق اللاهوتي والسياسي وفهم العدل والظلم
المحور الثاني: إعادة قراءة الكتاب المقدس ومواجهة الصهيونية المسيحية
المحور الثالث: اليهودية والصهيونية – التمييز بين الدين والمشروع السياسي
المحور الرابع: كايروس فلسطين ولاهوت التحرير – قراءة مقارنة
المحور الخامس: الدين والهوية الوطنية ومفهوم «المسيحي الفلسطيني»
المحور السادس: النقد من الداخل – حدود التأويل في لاهوت كايروس فلسطين
الخاتمة: بين لاهوت التحرير وحدود التأويل
الملخّص
تقدّم هذه الدراسة قراءة تحليلية في وثيقة كايروس فلسطين «وقفة حق» (2009) بوصفها نصًّا تأسيسيًّا في اللاهوت المسيحي الفلسطيني المعاصر. تنطلق الدراسة من إشكالية العلاقة المتوترة بين اللاهوت، بما هو دعاوى إيمانية كونية، والسياق السياسي المخصوص الذي أُنتجت فيه الوثيقة، أي شرط الاحتلال، وتسأل: كيف صاغت الوثيقة لاهوتًا يستجيب لهذا الشرط، ويعيد عبره قراءة النص التوراتي، ويبني هوية دينية–وطنية؟ وباعتماد منهج وصفي–تحليلي وقراءة تأويلية نقدية لخطاب الوثيقة بفقراتها المرقّمة، تجادل الدراسة بأن «وقفة حق» تتجاوز البيان الكنسي الاحتجاجي إلى لاهوت سياقي مكتمل البنية: يعيد تعريف العدل مقولةً إيمانية عبر تسمية الاحتلال «خطيئة»؛ ويستعيد نصوص الوعد والأرض من القراءة الصهيونية–المسيحية بمفتاح كريستولوجي كوني؛ ويفكّ الاقتران بين اليهودية ديانةً والصهيونية مشروعًا سياسيًّا؛ ويصوغ هوية «المسيحي الفلسطيني» ذاتًا شاهدة فاعلة. وتخلص إلى أن الوثيقة تمثّل لاهوت تحرير فلسطينيًّا متمايزًا عن نظيره اللاتيني بمركزية الأرض والنص بدل المركزية الطبقية، وبخيار «المقاومة بمنطق المحبة».
الكلمات المفتاحية: كايروس فلسطين؛ لاهوت التحرير؛ اللاهوت السياقي؛ الصهيونية المسيحية؛ الهوية المسيحية الفلسطينية.
Theology and Political Context in Palestinian Christianity: An Analytical Reading of the Kairos Palestine Document (2009)
Abstract
This study offers an analytical reading of the Kairos Palestine document, A Moment of Truth (2009), as a foundational text of contemporary Palestinian Christian theology. It departs from the tension between theology, as a set of universal faith claims, and the particular political context in which the document was produced, namely the condition of occupation, and asks how the document articulated a theology responsive to that condition, re-read the biblical text through it, and constructed a religious-national identity. Employing a descriptive-analytical method and a critical hermeneutical reading of the document’s numbered paragraphs, the study argues that A Moment of Truth exceeds the genre of the ecclesial protest statement and constitutes a fully developed contextual theology: it redefines justice as a category of faith by naming the occupation a sin; reclaims the texts of promise and land from Christian Zionist readings through a universalizing Christological key; uncouples Judaism as a religion from Zionism as a political project; and forges the identity of the Palestinian Christian as an active witness. The document thus represents a distinctively Palestinian liberation theology, marked by the centrality of land and text rather than class, and by the option of resistance through the logic of love.
Keywords: Kairos Palestine; liberation theology; contextual theology; Christian Zionism; Palestinian Christian identity.
المقدمة
في كانون الأول/ديسمبر 2009، ومن مدينة بيت لحم، أصدرت ستّ عشرة شخصية مسيحية فلسطينية، من إكليروس وعلمانيين ينتمون إلى مختلف العائلات الكنسية، وثيقةً حملت بالإنجليزية عنوان “A Moment of Truth”، وحمل نصُّها العربي الرسمي عنوان «وقفة حق: كلمة إيمان ورجاء ومحبة من قلب المعاناة الفلسطينية»، وشاع تداولها أيضًا باسم «لحظة الحق». جاءت الوثيقة بعد نحو عقدين من مسار تفاوضي لم يغيّر من واقع الاحتلال شيئًا، وبعد أشهر من الحرب على غزة (كانون الأول 2008 – كانون الثاني 2009)، وفي ذروة اكتمال جدار الفصل وتمدّد الاستيطان وانقسامٍ فلسطيني داخلي، وتراجعٍ متسارع للحضور المسيحي بفعل الهجرة. ومن بين موقّعيها البطريرك ميشيل صباح، والمطران منيب يونان، والمطران عطا الله حنا، والأب جمال خضر، والأب رفيق خوري، والقس متري الراهب، والقس نعيم عتيق، ورفعت قسيس منسّقًا للمبادرة. أمّا اسمها فيستدعي مفهوم «الكايروس» اليوناني: الزمن النوعي، لحظة الافتقاد والقرار التي يتكثّف فيها معنى التاريخ، في مقابل «الكرونوس»، الزمن المتتابع المحايد؛ وهو استدعاء واعٍ لوثيقة «كايروس» الجنوب أفريقية (1985) التي واجهت نظام الفصل العنصري، إذ تتمنى الوثيقة الفلسطينية صراحةً أن تلقى، «كما حصل مع وثيقة جنوب إفريقيا الشهيرة الصادرة عام 1985، الترحاب والتأييد».
يتمثّل الخيط الناظم لهذه الدراسة في العلاقة المتوترة بين اللاهوت، بوصفه دعاوى إيمانية كونية تتجه إلى كل زمان ومكان، والسياق السياسي المخصوص الذي أُنتجت فيه الوثيقة، أي شرط الاحتلال. وتُقرأ الوثيقة هنا باعتبارها محاولةً لإنتاج لاهوت سياقي (Contextual Theology) يعيد صوغ الإيمان المسيحي من داخل التجربة الفلسطينية، لا تعليقًا دينيًّا خارجيًّا عليها. ومن هذه الإشكالية يتفرع السؤال المركزي: كيف صاغت وثيقة كايروس فلسطين لاهوتًا يستجيب لشرط الاحتلال، ويعيد عبره قراءة النص التوراتي، ويبني هوية دينية–وطنية؟ وإلى أي مدى يشكّل ذلك لاهوت تحريرٍ فلسطينيًّا متمايزًا عن نظائره العالمية؟ وتتفرع عنه أسئلة خمسة: كيف قدّمت الوثيقة فهمًا مسيحيًّا للعدل والظلم، ولى أي مرجعيات لاهوتية استندت؟ وكيف أعادت قراءة النصوص التوراتية المرتبطة بالأرض الموعودة، وكيف واجهت التفسيرات الصهيونية–المسيحية؟ وكيف ميّزت بين اليهودية ديانةً والصهيونية مشروعًا سياسيًّا؟ وهل يمكن عدّها شكلًا من أشكال لاهوت التحرير، وما موقعها قياسًا بلاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية؟ ثم كيف جمعت بين الانتماء المسيحي والانتماء الوطني وصاغت مفهوم «المسيحي الفلسطيني»؟ ويضاف إلى ذلك سؤال نقدي سادس: إلى أي حدّ تحافظ الوثيقة على الكتاب المقدس بوصفه مصدرًا للمعيار الأخلاقي، وإلى أي حدّ يصبح السياق الفلسطيني ومعيار العدالة الذي ينطلق منه شريكًا سابقًا في تحديد معنى النص وحدود تأويله؟
وتجادل الدراسة بأن «وقفة حق» تتجاوز جنس البيان الكنسي الاحتجاجي إلى لاهوت سياقي مكتمل الأركان، يجعل من شرط الاحتلال نقطة انطلاق هرمنيوطيقية تُعاد منها صياغة العدل بوصفه مقولة إيمانية، وتُستعاد بها نصوص الوعد والأرض من القراءة الصهيونية–المسيحية عبر تأويل كريستولوجي كوني، ويُفكّ بها الاقتران بين اليهودية والصهيونية، وتُبنى بها هوية «المسيحي الفلسطيني» شاهدًا فاعلًا لا أقليةً محمية؛ بما يجعلها لاهوت تحرير فلسطينيًّا يتمايز عن نظيره اللاتيني بمركزية الأرض والنص بدل المركزية الطبقية، وبخيار اللاعنف «بمنطق المحبة». وعلى هذا الأساس تنتظم محاور الدراسة الخمسة بوصفها حركاتٍ داخل هذه المفاوضة الواحدة بين كونية الإيمان وخصوصية السياق، لا موضوعاتٍ متجاورة.
منهجيًّا، تعتمد الدراسة منهجًا وصفيًّا–تحليليًّا مع قراءة تأويلية نقدية للخطاب. فمصدرها الأساس نصُّ الوثيقة ذاته في صيغته العربية الرسمية بفقراتها المرقّمة، يُحلَّل تحليلَ خطابٍ لاستخراج بنيته اللاهوتية–السياسية: معجمه، وضمائره، وترتيب أقسامه، واستشهاداته الكتابية، وما يصرّح به وما يسكت عنه. وتُسنَد هذه القراءة إلى الأدبيات اللاهوتية الفلسطينية والمقارنة ذات الصلة، من أعمال روّاد الحقل إلى الدراسات الأكاديمية النقدية حوله.
ولا تنبثق الوثيقة من فراغ؛ فقد سبقها جيل تأسيسي صاغ ملامح هذا الحقل: نعيم عتيق الذي قدّم في «العدل والعدل فقط» (1989) أول صياغة منهجية للاهوت تحرير فلسطيني ، ومتري الراهب الذي طوّر قراءة سياقية للكتاب المقدس «بعيون فلسطينية» من موقع شعبٍ توالت عليه الإمبراطوريات ، إلى جانب مأسسة هذا الإنتاج في مراكز لاهوتية محلية أبرزها مركز «سبيل» المسكوني للاهوت التحرير في القدس، ومركز «اللقاء» و«دار الندوة الدولية» في بيت لحم. وقد تناولت الدراسات الأكاديمية هذا الحقل توصيفًا وتصنيفًا؛ فميّز كوروفيلا بين خطٍّ تحرّري يمثّله عتيق وخطٍّ سياقي يمثّله الراهب ، فيما وجّه باحثون نقدًا حادًّا إلى المدرسة كلها، أبرزه غريغرمان الذي رأى فيها إعادة إنتاجٍ لصور مسيحية قديمة معادية لليهود. غير أن الوثيقة نفسها، بوصفها نصًّا جماعيًّا مكثّفًا، ظلت أحوج إلى قراءة تحليلية تتناول بنيتها الداخلية بما هي كلٌّ واحد، وهو ما تحاوله هذه الدراسة عبر محاورها الخمسة.
وتسير الدراسة في ستة محاور: يتناول الأول نشأة الوثيقة وسياقها اللاهوتي–السياسي وفهمها للعدل والظلم؛ ويحلل الثاني إعادة قراءتها للكتاب المقدس ومواجهتها للصهيونية المسيحية؛ ويفحص الثالث تمييزها بين اليهودية والصهيونية وما أثاره من نقاش؛ ويقارن الرابع بينها وبين لاهوت التحرير اللاتيني التقاءً وافتراقًا؛ ويتتبع الخامس صياغتها لمفهوم «المسيحي الفلسطيني»؛ ثم يقدّم السادس قراءة نقدية داخلية تسائل علاقة النص بالسياق الأخلاقي وسلطة الموقع الفلسطيني في إنتاج المعنى؛ وتجمع الخاتمة الخيوط لتجيب عن سؤال التمايز والحدود والآفاق.
المحور الأول: كايروس فلسطين – النشأة والسياق اللاهوتي–السياسي
تقدّم الوثيقة نفسها منذ تصديرها بوصفها «كلمة الفلسطينيين المسيحيين للعالم حول ما يجري في فلسطين»، وثمرة «أكثر من عام» قضاه واضعوها في «صلاة ونقاش». وهذه الديباجة ليست تفصيلًا بروتوكوليًّا؛ فالتركيبة المسكونية للموقّعين – لاتين وأرثوذكس ولوثريون وأنجليكان، إكليروس وعلمانيون، رجال ونساء – تجعل النص «كلمة كنيسة» بالمعنى الواسع، صادرةً من قاعدة الجماعة المؤمنة لا من هرمها المؤسسي وحده؛ وهو خيار له دلالته اللاهوتية: الشعب المؤمن ذاتٌ منتجة للاهوت لا متلقية له فحسب. كما أن وصف النص بأنه ثمرة «صلاة ونقاش» يدرجه في جنس التمييز الروحي الجماعي لا في جنس البيان السياسي، وإن كانت مضامينه سياسية بامتياز.
يبدأ متن الوثيقة بقسم «الواقع»، وتفتتحه آية إرميا: «يقولون سلامٌ سلامٌ ولا سلام» (إرميا 6: 14). وفي هذا الافتتاح إعلان منهجي مزدوج. فمن جهة، يُقرأ الواقع منذ السطر الأول بعدسة نبوية: توصيف الجدار الذي «حوّل مدننا وقرانا إلى سجون»، والمستوطنات التي «تنهب أرضنا باسم الله وباسم القوة»، والحواجز واللاجئين والأسرى والقدس المفرَّغة من أهلها، ليس مسحًا صحفيًّا محايدًا بل فعلٌ لاهوتي يدين «السلام» الزائف بلغة الأنبياء أنفسهم. ومن جهة أخرى، فإن تقديم «الواقع» على «كلمة الإيمان» في بنية النص يعكس قرارًا منهجيًّا بأن التجربة المعيشة هي نقطة انطلاق التفكير الإيماني لا مجرد ميدانٍ لتطبيقه؛ وهو جوهر ما يسمّيه بيفانز «نموذج الممارسة» في اللاهوت السياقي، القائل إن كل لاهوت إنما يُنتَج من سياق، وإن إنكار السياق ليس تعاليًا عليه بل انحيازٌ غير معلَن إلى سياق آخر.
ولا يكتفي قسم «الواقع» بالتوصيف، بل ينجز عملية إعادة تأطير خطابية كاملة. فالوثيقة تفكك ادعاء «الدفاع عن النفس» الإسرائيلي بوصفه «رؤية تقلب الواقع رأسًا على عقب»، وتعيد ترتيب السببية ترتيبًا حاسمًا: «لو لم يكن الاحتلال لما كانت هناك مقاومة، ولما كان خوف ولا انعدام أمن» (الفقرة 1-4)؛ أي أن المشكلة ليست «إرهابًا» يُستأصل بل احتلالًا يُنهى. واللافت أن النقد لا يستثني الذات: فالوثيقة تسجل تعثر خيار المفاوضات، وتذكر كلفة الانقسام الفلسطيني الداخلي وتحمّل الأسرةَ الدولية جزءًا من مسؤوليته (الفقرتان 1-5 و1-5-1). وبهذا يكتمل شرط الكلام النبوي: كلمةُ حقٍّ تقال للقوي وللضعيف، وللذات قبل الآخر.
على هذه الأرضية يصوغ النص فهمه للعدل. فالعدل ليس مطلبًا سياسيًّا يُلتمَس له سندٌ ديني، بل صفة إلهية تتقدّم كلَّ سياسة: «نؤمن بالله الواحد الأحد، خالق الكون والإنسان، نؤمن به إلهًا صالحًا وعادلًا ومحبًّا لجميع خلائقه»، وكلُّ إنسان مخلوق «على صورته ومثاله» وكرامتُه «من كرامته تعالى» (الفقرة 2-1). ومن هذا الإيمان تُشتقّ الإدانة المركزية في الوثيقة كلها: «الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية هو خطيئة ضد الله وضد الإنسان؛ لأنه يحرم الإنسان الفلسطيني حقوقه الإنسانية الأساسية التي منحه إياها الله، ويشوّه صورة الله في الإنسان الإسرائيلي المحتل، بقدر ما يشوّهها في الإنسان الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال» (الفقرة 2-5).
هذه الفقرة هي القلب الحجاجي للوثيقة، وفيها تُنجَز ثلاث نقلات دفعة واحدة. أولاها نقل الاحتلال من معجم القانون الدولي، حيث هو «انتهاك» يُعالَج بقرارات، إلى المعجم اللاهوتي حيث هو «خطيئة» تمسّ علاقة الإنسان بالله؛ وبهذا التصنيف يصبح الاحتلال شأنًا كنسيًّا داخليًّا يُلزم الكنيسة بالكلام، لا قضيةً خارجية يجوز لها التزام الحياد فيها. وثانيتها أن تأثيم الاحتلال يؤسس لما سيأتي لاحقًا من جعل مقاومته «حقًّا وواجبًا» دينيَّين لا خيارًا سياسيًّا. وثالثتها – وهي الأبعد أثرًا – أن صيغة الإدانة نفسها خلاصية تشمل الظالم: فالخطيئة تشوّه صورة الله في المحتل بقدر ما تشوّهها في الواقع تحت احتلاله، أي أن الآخر يبقى داخل دائرة الكرامة والخلاص حتى وهو يُدان. وبهذا تتجنب الوثيقة منذ البدء منطق الشيطنة، وتمهّد لمنطق «تحرير الظالم والمظلوم» الذي سيظهر في باب المقاومة. أما مرجعياتها فمزيجٌ من التقليد النبوي (إرميا وأشعيا)، ولاهوت الخلق والكرامة (صورة الله في الإنسان)، ووصية المحبة الإنجيلية، وقراءةٍ كريستولوجية للكتاب يفصّلها المحور التالي.
وبهذا كله تتمايز الوثيقة عن نمطٍ طويل من الحضور الكنسي المشرقي مال تاريخيًّا – بحكم وضعية الأقلية تحت إمبراطوريات متعاقبة – إلى التحفّظ أو الصمت العمومي حفاظًا على البقاء. والمفارقة أن الوثيقة لا تكتفي بمغادرة هذا النمط بل تؤثّمه: فهي تعلن «زمن توبة... توبة عن الصمت، وعن اللامبالاة، وعن عدم المشاركة» (الفقرة 5-2) ، فتحوّل الصمتَ ذاته من حصافةٍ طائفية إلى خطيئةٍ تستوجب التوبة، وهو قلبٌ جذري لاقتصاد البقاء التقليدي. وتحدّد للكنيسة هوية «نبوية» صريحة الانحياز: «وإذا تحيّزت، فإنها تتحيّز للمظلوم» (الفقرة 3-4-1). وفي هذا صدًى بيّن لتقسيم وثيقة جنوب أفريقيا الثلاثي بين «لاهوت الدولة» الذي يقدّس النظام، و«لاهوت الكنيسة» الذي يتحفّظ ويعمّم مصالحةً بلا عدل، و«اللاهوت النبوي» المنحاز للمظلومين؛ فكايروس فلسطين تكتب نفسها بوعيٍ في الخانة الثالثة، وتدين الأولى ممثَّلةً في اللاهوت المبرِّر للاحتلال، وتعاتب الثانية في كنائس العالم وفي الذات الفلسطينية معًا. وهكذا يتضح منذ هذا المحور أن «العدل» في الوثيقة ليس بندًا مطلبيًّا، بل مقولة إيمانية تتفرع عنها هرمنيوطيقا وهوية وممارسة؛ وهي التفرعات التي تتعقّبها المحاور التالية.
ويستحق التنظيم الداخلي للوثيقة وقفة أخيرة في هذا المحور: فبعد «الواقع» تتوالى أقسامها على الفضائل اللاهوتية الثلاث – إيمان، فرجاء، فمحبة – قبل أن تتفرع إلى رسائلها ونداءاتها. وبهذا الترتيب تستعير الوثيقة بنية «قانون الإيمان» أكثر مما تستعير بنية الورقة السياسية: فموقفها من الاحتلال يُقدَّم بوصفه اشتقاقًا من صلب العقيدة لا إضافةً عليها، ويغدو شكل النص نفسه جزءًا من حجته؛ إذ كما يلخص عنوانها الفرعي، هي «كلمة إيمان ورجاء ومحبة» قبل أن تكون بيانًا في السياسة.
المحور الثاني: إعادة قراءة الكتاب المقدس ومواجهة الصهيونية المسيحية
إذا كان المحور السابق قد بيّن كيف سمّت الوثيقة الاحتلالَ خطيئةً، فإن معركتها الأصعب لم تكن مع تبرير سياسي بل مع تبرير كتابي: فالنص المقدس نفسه – نصُّها هي – مجنَّدٌ ضدها. تقول الوثيقة إنه «لا يجوز تحويل كلمة الله إلى أحرف جامدة تشوّه حبَّ الله وعنايته في حياة الشعوب والأفراد»، وإن هذا هو «الخطأ في التفاسير الكتابية الأصولية التي تحمل لنا الموت والدمار، حينما تجمد كلمة الله... فتُستعمل سلاحًا في تاريخنا الحاضر يحرمنا حقنا في أرضنا» (الفقرة 2-2-2). استعارة «السلاح» هنا مفتاحية؛ فهي تكشف وعي الواضعين بأن الفلسطيني المسيحي مهدَّد تهديدًا مزدوجًا: بالاحتلال على الأرض، وبالتأويل في النص، حتى إن «البشرى السارة في الإنجيل نفسه أصبحت لنا نذير موت» (الفقرة 2-3-3). وأمام هذا التهديد المزدوج كان يمكن تصوّر خيارين: التخلي عن العهد القديم على طريقةٍ مرقيونية جديدة، أو تسليم النص لخصومه والاكتفاء بحجاجٍ حقوقي علماني. لكن الوثيقة ترفض الخيارين معًا وتختار ثالثًا أصعب: استعادة النص، أي القتال على أرض الخصم التأويلية نفسها، انطلاقًا من إيمانها بالكتاب «في عهديه القديم والجديد كوحدة واحدة».
أداة الاستعادة هي التأويل الكريستولوجي. فالمسيح «أتى ليكمل الشريعة والأنبياء»، وبنوره وبهداية الروح القدس «نقرأ الكتب المقدسة ونتأمل فيها ونفسّرها، كما فسّرها يسوع المسيح لتلميذَي عِمْواس» استنادًا إلى لوقا (24: 27) (الفقرة 2-2-1). واختيار مشهد عِمْواس بالذات بليغُ الدلالة: فالمسيح يقدَّم بوصفه أول «مفسِّر سياقي»، يفتح الكتب لمسافرَين مأزومَين غداة كارثة الصلب، فيعيد ترتيب معنى النصوص من داخل انكسارهما لا من فوقه. والجماعة الفلسطينية ترى نفسها في موقع تلميذَي عِمْواس: قراءة الكتاب تتم من داخل نكبةٍ مستمرة، والمعيار الذي يضبطها هو شخص المسيح ومحبته لا حرفية الوعد. وهذا هو عينه المعيار الذي صاغه عتيق قبل الوثيقة بعقدين: كلُّ نصٍّ يُقرأ على ضوء طبيعة الله كما تجلّت في المسيح؛ فما وافقها فهو كلمة حياة، وما وُظّف ضدها فقد حُرّف عن قصده.
على هذا الأساس تعيد الوثيقة بناء المفاهيم المتنازَع عليها – الوعد، والاختيار، وشعب الله، والأرض – عبر ثلاث عمليات متضافرة. الأولى التعميم: «الوعد بالأرض لم يكن يومًا عنوانًا لبرنامج سياسي، بل إنه مقدمة لخلاص كوني شامل»، وبهذه الشمولية «تنفتح مفاهيم المواعد والأرض والاختيار وشعب الله لتشمل البشرية كلها، بدءًا من شعوب هذه الأرض» (الفقرة 2-3). والثانية نزع الامتياز: «أرضنا هي أرض الله، كباقي بلدان العالم، وهي مقدسة بحضور الله فيها، لأنه وحده القدّوس والمقدِّس»؛ فالقداسة صفةُ حضورٍ إلهي لا ملكيةٌ إثنية، والأرض التي «وضعنا فيها شعبين» تُلزم ساكنيها جميعًا بالعدل ولا تمنح أحدهم حقَّ إقصاء الآخر، وسندها الكتابي «للرب الأرض وما فيها» (الفقرة 2-3-1). والثالثة إعادة التوجيه الأخروي: «لا يمكن ربط ملكوت الله بأية مملكة أرضية»، و«ليس الدين دعمًا أو تأييدًا لأي نظام سياسي ظالم» (الفقرة 3-4-3)؛ فالوعد يشير أماميًّا إلى الملكوت لا خلفيًّا إلى دولة.
وهذه القراءة ليست اجتهادًا معزولًا؛ فهي تتقاطع مع خلاصات لاهوتٍ كتابي أوسع. فقد بيّن بروغمان أن الأرض موضوع مركزي في الإيمان الكتابي – إن لم تكن موضوعه المركزي – وأنها تُعطى فيه «هبةً» مشروطة بالعدل، تنقلب خطرًا روحيًّا حين تتحول تملّكًا وامتيازًا ؛ وبرهن منذر إسحق – وهو من أبرز لاهوتيي الجيل التالي لكايروس – على أن حركة الكتاب نفسها تتجه «من الأرض إلى الأراضي»: من عدن إلى الأرض المتجددة كلها، أي أن الكونية ليست لصيقةً مسيحية لاحقة بل منطقٌ داخلي في العهد القديم ذاته اكتمل في المسيح. ولهذا التدقيق أهميته في درء شبهة «الاستبدالية» التي سيعود إليها المحور الثالث.
وتكتمل هذه الهرمنيوطيقا بمقولة الرجاء التي تخصص لها الوثيقة قسمًا كاملًا. فمع «غياب أي بارقة أمل»، تعلن: «يبقى رجاؤنا قويًا؛ لأننا وضعنا رجاءنا في الله»، وتجعل «القيامة أساس رجائنا» (الفقرتان 3-1 و3-5). والرجاء هنا ليس تفاؤلًا نفسيًّا بل فعل قراءة مضاد للواقع: فكما أن القيامة تقول إن الموت ليس الكلمة الأخيرة في قصة المسيح، كذلك تقرأ الجماعة واقعها على أن الاحتلال ليس الكلمة الأخيرة في قصتها؛ بل إن الوثيقة تعرّف الرجاء نفسه تعريفًا مقاومًا، بوصفه وقوفًا أمام الشر واستمرارًا في مقاومته، كما سيُفصَّل في المحور الخامس. وهكذا يتحول مفهوم لاهوتي كلاسيكي إلى أداة تأويلية تقرأ بها الجماعة التاريخ ضد ظاهره.
أما الخصم التأويلي المباشر لهذه القراءة فهو الصهيونية المسيحية: ذلك التيار البروتستانتي الذي تعود جذوره إلى المدرسة التدبيرية (Dispensationalism) في القرن التاسع عشر مع جون نلسون داربي، ثم «كتاب سكوفيلد المرجعي»، والذي يرى في قيام دولة إسرائيل وتوسّعها تحقيقًا حرفيًّا للنبوءات وشرطًا للمجيء الثاني، وقد غدا قوة سياسية مؤثرة في الدعم الغربي، والأمريكي خصوصًا، لإسرائيل. لا تسمّي الوثيقة هذا التيار باسمه، لكنها تواجهه بأوصافه: «إننا نرى بعض اللاهوتيين في الغرب يحاولون أن يضفوا على الظلم الذي لحق بنا شرعية لاهوتية وكتابية»، وتتوَّج المواجهة بقاعدة عامة: «إن استخدام الكتاب المقدس لتبرير أو تأييد خيارات ومواقف سياسية فيها ظلم... يحوّل الدين إلى أيديولوجية بشرية، ويجرّد كلمة الله من قداستها وشموليتها وحقيقتها» (الفقرتان 2-3-3 و2-4) ، ثم بنداء «التوبة» الموجَّه إلى كنائس العالم عن «مواقف لاهوتية أصولية داعمة لمواقف سياسية ظالمة»، لأنه «ليس الله حليفًا لأحد على أحد ولا خصمًا مع أحد في وجه أحد» (الفقرة 6-1).
واللافت في هذه المواجهة أن معيارها وظيفي–أخلاقي لا عقائدي. فالوثيقة لا تجادل التدبيرية في نظامها الأخروي، بل تحاكم التفسير بثماره: أيُنتج حياةً أم موتًا، عدلًا أم ظلمًا؟ وبذلك تصوغ قاعدة تأويلية قابلة للتعميم على كل دينٍ وكل نص: كلُّ قراءة تُنتج ظلمًا فهي تحريف، أيًّا كان أصحابها وأيًّا كان النص. وهذه القاعدة هي التي مكّنت الحقل اللاهوتي الفلسطيني – وفي طليعته مركز «سبيل» بمؤتمراته وإصداراته المكرّسة لتفكيك الصهيونية المسيحية – من بناء تحالفات مسكونية واسعة حول قضيةٍ قد تبدو للوهلة الأولى تفسيريةً تقنية، لكنها في فلسطين، بتعبير الوثيقة نفسها، «قضية حياة أو موت».
ومن الوجه العملي، تقابل الوثيقة الجغرافيا المقدسة المؤدلجة بهرمنيوطيقا مكانية مضادة. فللصهيونية المسيحية حجُّها الخاص: مسارات تطوف بالنبوءات وتتجنب الفلسطينيين فلا ترى إلا «أرضًا بلا شعب». وفي مقابلها ترفع الوثيقة دعوتها إلى كنائس العالم: «تعالوا وانظروا، ويقوم دورنا بأن نعرفكم على حقيقة واقعنا، وبأن نستقبلكم حجاجًا إلينا مصلين... تتقصون الحقائق وتكتشفون الإنسان الإسرائيلي والفلسطيني معًا» (الفقرة 6-2). فالعبارة الإنجيلية تتحول هنا برنامجًا تأويليًّا: الأرض لا تُقرأ في خرائط النبوءات بل تُزار وتُرى بسكانها الأحياء؛ والحج التضامني بديلٌ من الحج التدبيري؛ والشاهد العياني ترياقُ التفسير الحرفي. وبذلك تنقل الوثيقة معركة التأويل من النص إلى المكان نفسه.
المحور الثالث: اليهودية والصهيونية – التمييز بين الدين والمشروع السياسي
تنبني استعادةُ النص في المحور السابق على تمييزٍ صريح تجريه الوثيقة بين اليهودية بما هي ديانة توحيدية شقيقة، والصهيونية بما هي مشروع سياسي يوظّف الدين. فخطابها إلى اليهود خطابُ أخوّةٍ وأفقٍ مشترك: «لقد اقتتلنا وما زلنا نقتتل، إلا أننا قادرون اليوم وغدًا على المحبة والعيش معًا، وقادرون على تنظيم حياتنا السياسية بكل تعقيداتها بمنطق هذه المحبة وبقوتها، بعد إزالة الاحتلال وإقامة العدل» (الفقرة 5-4-2) ؛ وهي تدين «كل أشكال العنصرية، الدينية منها والعرقية، بما فيها المعاداة للسامية وكراهية المسلمين (الإسلاموفوبيا)» (الفقرة 6-3) ، وتوجّه نداءها إلى «القيادات الدينية والروحية اليهودية والإسلامية» على أرضية مشتركة هي «الإنسان الذي خلقه الله ومنحه كرامة متساوية» (الفقرة 8).
يؤدي هذا التمييز ثلاث وظائف متراتبة. وظيفة لاهوتية أولًا: فهو يحرّر صورة اليهودية – والإله الذي تشهد له – من اختزالها في مشروع قومي استيطاني؛ ولأن الوثيقة تعمّم المبدأ فتدين «الدولة الدينية، اليهودية أو الإسلامية» معًا، لأنها «تخنق الدولة وتحصرها في حدود ضيقة... وتفرّق بين مواطنيها»، وتدعو إلى أن تكون «الدولة لكل مواطنيها» (الفقرة 9-2) ، فإنها تتحصّن من تهمة الانتقائية: المعيار واحد يسري على دين الذات قبل دين الآخر. ووظيفة أخلاقية–سياسية ثانيًا: ففكّ الاقتران يحرّر نقد الاحتلال من شبهة معاداة السامية التي كثيرًا ما تُشهَر لإسكاته، ويفتح باب الشراكة مع «أصوات يهودية وإسرائيلية محبة للسلام والعدل» تعترف بها الوثيقة علامةً من علامات الرجاء (الفقرة 3-3-4). ووظيفة داخلية ثالثًا: فهو يحمي إيمان الجماعة الفلسطينية نفسها من انقلاب خصومتها السياسية عداءً دينيًّا، إذ «لم يُصنع الإنسان للكراهية» (الفقرة 5-5-3).
ويتفرع عن هذا التمييز موقف دقيق من الذاكرة اليهودية الأوروبية. فالوثيقة تعترف بفداحة ما جرى لليهود في أوروبا – «أراد الغرب أن يعوّض عما اقترف هو في حق اليهود في بلاد أوروبا» – لكنها ترفض ترتيب التكفير على حساب طرف ثالث: «فقام بالتعويض على حسابنا وفي أرضنا، حاول تصحيح الظلم فنتج عنه ظلم جديد» (الفقرة 2-3-2). وهذه الصياغة تؤدي وظيفة مزدوجة: فهي تحترم الجرح اليهودي ولا تنكره، وتعيد في الوقت نفسه عبء الجريمة إلى مرتكبها الأوروبي؛ فلا يُستخدم الاعتراف بالمحنة سندًا لإلغاء حق الفلسطيني، ولا يُستخدم حق الفلسطيني ذريعةً للتنكر للمحنة.
غير أن هذا التمييز لم يعصم الوثيقة ومدرستها من نقدٍ مضاد. فقد ذهب باحثون، أبرزهم آدم غريغرمان، إلى أن لاهوت التحرير الفلسطيني، إذ يقرأ نصوص اليهود قراءة كونية تتجاوز خصوصية إسرائيل التوراتية، إنما يحيي «الاستبدالية» القديمة ويستخدم كتب اليهود المقدسة ضدهم، مكررًا أنماط أدب الخصومة المسيحي القديم تجاه اليهود في لبوسٍ سياسي حديث. والإنصاف يقتضي تسجيل أمرين. الأول أن نص الوثيقة يقدّم مادة مضادة لهذه التهمة: فهو لا ينفي صلة اليهود بالأرض ولا حضورهم فيها – «وضعنا فيها شعبين» – بل ينفي الحصرية والتوظيف؛ ولا يجرّد قصة إسرائيل التوراتية من معناها بل يدرجها في «خلاص كوني» يبدأ «من شعوب هذه الأرض كلها»؛ ومعياره، كما تقدّم، وظيفي لا إثني. والثاني أن توترًا بنيويًّا يبقى قائمًا مع ذلك: فالمفتاح الكريستولوجي، بحكم تعريفه، مفتاح مسيحي لا يُلزم المحاوِر اليهودي بشيء؛ ولذلك حين تنتقل الوثيقة إلى مخاطبة اليهود مباشرة تبدّل الأرضية بذكاء: من العقيدة إلى الكرامة المخلوقة المشتركة، ومن التأويل إلى العدل بوصفه لغةً عابرة للأديان. وهكذا يُدار التوتر ولا يُحَل؛ وإدارتُه لا حلُّه هي على الأرجح أقصى الممكن في حوارٍ بين منظومتين تأويليتين متمايزتين تحت سقف نزاعٍ سياسي مفتوح.
على أن أوضح ما يسند جدّية هذا التمييز هو أن نظيرًا له نشأ داخل الفكر اليهودي نفسه؛ فقد طوّر مارك إليس منذ أواخر الثمانينيات «لاهوت تحرير يهوديًّا» يستنطق التقليد النبوي اليهودي في نقد سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين ، وظل من المحاورين الدائمين لمدرسة اللاهوت الفلسطيني ومؤتمراتها. ووجود هذا الصوت – ومعه الأصوات اليهودية والإسرائيلية التي تحتفي بها الوثيقة – يقوّض القراءة التي تختزل المسألة في عداءٍ مسيحي–يهودي، ويثبت أن خط الانقسام الفعلي الذي ترسمه الوثيقة لا يمر بين الديانتين بل داخل كل منهما: بين توظيف الدين لتسويغ الظلم وتسخيره لمساءلته. ولهذا تخاطب الوثيقة «القيادات الدينية والروحية اليهودية» بصيغة الشراكة، معترفةً بتعددٍ داخلي في اليهودية يأبى اختزالها كتلةً واحدة.
ويبقى أن أبلغ ما في هذا المحور قد يكون ما تسكت عنه الوثيقة لا ما تقوله. فهي، على امتداد نصها، تمتنع امتناعًا منهجيًّا عن أي تقييم لاهوتي للديانة اليهودية في ذاتها: لا تناقش عقائدها ولا شرائعها ولا تدخل معها في جدل مقارن، حاصرةً كلامها كله في حدود الاستخدام السياسي للدين وفي أفق العلاقة والعدل. وهذا الصمت دالٌّ بقدر دلالة الكلام: فالوثيقة التي جعلت معيارها وظيفيًّا تطبّقه على نفسها أولًا، فلا تسمح لخصومتها السياسية بأن تستدرجها إلى ساحة الجدل العقدي الذي أفسد قرونًا من العلاقة المسيحية–اليهودية؛ وبهذا الانضباط يصمد التمييز بين الدين والمشروع عمليًّا، لا بوصفه شعارًا يُعلَن، بل بوصفه قاعدةَ خطابٍ تُحترم في كل سطر.
المحور الرابع: كايروس فلسطين ولاهوت التحرير – قراءة مقارنة
يقود ما سبق إلى سؤال التصنيف: هل «وقفة حق» لاهوتُ تحرير؟ وُلد لاهوت التحرير، بصيغته المرجعية، في أمريكا اللاتينية أواخر ستينيات القرن العشرين، وبلور غوستافو غوتييريث أسسه في كتابه «لاهوت التحرير» (1971): اللاهوت «تأمل نقدي في الممارسة التاريخية في ضوء كلمة الله»؛ والله منحازٌ انحيازًا تفضيليًّا للفقراء؛ والخطيئة ليست أفعالًا فردية فحسب بل بنًى ظالمة متجسدة في أنظمة التبعية والإفقار؛ والخلاص لا ينفصل عن التحرير في التاريخ وإن لم يُختزَل فيه. وكان مؤتمر ميديلين للأساقفة اللاتينيين (1968) قد منح هذا التوجه شرعيته الكنسية القارية.
تلتقي كايروس فلسطين مع هذا النموذج في عناصره البنيوية كلها تقريبًا. فبنيتها نفسها تبدأ بقسم «الواقع» قبل «كلمة الإيمان»، محاكيةً منهجيًّا أولوية الممارسة على النظر؛ وإلهها «إذا تحيّز... يتحيّز للمظلوم»، وهي ترجمة فلسطينية دقيقة للخيار التفضيلي للفقراء؛ وخطيئتها بنيوية بامتياز: الاحتلال بوصفه نظامًا – جدارًا ومستوطنات وحواجز وقوانين – لا مجموعَ تجاوزات فردية؛ وكنيستها مدعوة من الحياد إلى الانحياز، ومن «لاهوت الكنيسة» المتحفّظ إلى «اللاهوت النبوي»، بتعبير سلالتها الجنوب أفريقية التي تنتسب إليها بالاسم والقصد معًا.
ويمتد الالتقاء إلى البنية المنهجية ذاتها. فقد ورث لاهوت التحرير عن التقليد الاجتماعي الكاثوليكي ثلاثية «رأى – حكم – فعل»: قراءة الواقع، ثم الحكم عليه في ضوء الكلمة، ثم الفعل لتغييره؛ وهي الثلاثية التي تتكثف في تعريف غوتييريث للاهوت تأملًا نقديًّا في الممارسة. وتعيد كايروس إنتاج هذه الثلاثية في تقسيمها – واقعٌ، فإيمانٌ، فمحبةٌ تتجسد مقاومةً – لكنها تضيف إليها طبقة رابعة لا نظير لها في النص اللاتيني: سلسلة الرسائل والنداءات الموجهة إلى جهات مسماة، من الكنائس إلى الأسرة الدولية إلى القيادات الدينية إلى الشعبين. وبهذه الطبقة المخاطباتية يتحول اللاهوت من تأملٍ في الممارسة إلى فعل اتصال عالمي منظم؛ فالوثيقة لا تفكر في التحرير فحسب، بل تجنّد له.
غير أن التمايزات أعمق من أن تكون فروقَ لهجةٍ محلية. أولها انزياح المركز من الطبقة إلى الأرض: «فقير» غوتييريث تنتجه بنًى اقتصادية، أما «مظلوم» كايروس فينتجه احتلال استيطاني يستهدف الأرض والوجود؛ ولذلك تحتل مفاهيم الأرض والوعد والسيادة في الوثيقة الموقعَ الذي تحتله التبعية والإفقار في النصوص اللاتينية. وثانيها انقلاب موقع النص: ففي أمريكا اللاتينية كان الكتاب المقدس سلاحَ المظلومين بلا منازع – خروجٌ يُقرأ تحريرًا، وأنبياء يُقرأون احتجاجًا – أما في فلسطين فالنص ذاته مجنَّد ضد المظلوم: قصة الخروج والأرض الموعودة تُتلى لتبرير اقتلاعه. ومن هنا تتقدّم الهرمنيوطيقا على التحليل الاجتماعي–الاقتصادي في كايروس: فقبل أن «يتحرر» الفلسطيني بالنص، عليه أن يحرّر النص نفسه؛ وهي مهمة لم يعرف النظيرُ اللاتيني إلحاحَها.
وثالثها حسم خيار اللاعنف. تعلن الوثيقة أن «خيارنا المسيحي في وجه الاحتلال الإسرائيلي هو المقاومة، فالمقاومة حق وواجب على المسيحي، ولكنها المقاومة بحسب منطق المحبة، فهي مقاومة مبدعة»، تجد «الطرق الإنسانية التي تخاطب إنسانية العدو نفسه»، وتتجسد في العصيان المدني وفي ألا «نقاوم بالموت بل باحترام الحياة» (الفقرات 4-2-1 و4-2-3 و4-2-5) ، وفي المقاطعة وسحب الاستثمارات التي غايتها «ليس الانتقام من أحد، بل وضع حد لشر قائم، وتحرير الظالم والمظلوم منه» (الفقرة 4-2-6). وهذا الحسم يستحق وقفة: فبينما ظل جدل العنف الثوري مفتوحًا في بعض التجارب اللاتينية، تحسم كايروس للمقاومة اللاعنفية بتأصيل إنجيلي – وصية محبة الأعداء – وبحسابٍ عملي معًا، إذ ترى في مخاطبة إنسانية الخصم «الطريقة الفعّالة لوقف الظلم وإجبار الظالم على وضع حد لاعتدائه». والأبعد من ذلك أن غاية المقاومة تُصاغ صياغةً خلاصية: تحريرُ الظالم من ظلمه جزءٌ من الهدف، لأن «مستقبلنا ومستقبلهم واحد» (الفقرة 4-3) ؛ فتكتمل بذلك الدائرة التي فتحها تعريف الخطيئة في المحور الأول: الإدانةُ التي شملت المحتل في تشوّه الصورة تشمله الآن في أفق التحرير.
وقد كان بند المقاطعة وسحب الاستثمارات أكثر بنود الوثيقة إثارةً للجدل في تلقّيها الكنسي الغربي، إذ فتح نقاشًا متجدد الفصول داخل هيئات ومجامع كنسية عالمية حول أخلاقيات استثماراتها وعلاقاتها. والمهم تحليليًّا هو الإطار الذي تضع فيه الوثيقة هذا البند: فهي تدرجه في «نطاق المقاومة السلمية»، وتشترط أن تسير حملاته «علانية وبجدية»، وأن يكون هدفها المعلن وضع حدٍّ للشر لا الانتقام، وتدعو الكنائس إلى «قول كلمة حق» واعتماد هذه الوسائل اللاعنفية (الفقرتان 4-2-6 و6-3). فحتى أداة الضغط الاقتصادي تمر عبر مصفاة منطق المحبة، ويُحدَّد لها قصدٌ وغاية وأسلوب؛ وبذلك تظل الممارسة محكومةً باللاهوت لا منفلتةً منه.
وتكتمل الصورة بمقارنة قصيرة مع السلالة المباشرة: وثيقة كايروس الجنوب أفريقية. فالجنس الأدبي واحد – كلمة كنسية في لحظة حسم تدين لاهوتًا يبرر الظلم – لكن بنية الخصم مختلفة: ففي جنوب أفريقيا كان «لاهوت الدولة» المُدان لاهوتًا محليًّا تنتجه كنائس البلد نفسه لتسويغ نظامه، فجاءت الوثيقة مواجهةً داخلية بين كنائس الوطن الواحد؛ أما في فلسطين فاللاهوت المبرر للاحتلال يُنتَج خارج الحدود أساسًا، في أوساط غربية لا سلطان للكنيسة الفلسطينية عليها. ومن هنا اضطرار كايروس فلسطين إلى أن تكون عابرةً للحدود بطبيعتها: فخطابها الأطول موجَّه إلى كنائس العالم لا إلى كنائسها، ومعركتها التأويلية تُخاض في منابر لا تملكها. وهذه الغيرية الجغرافية للخصم اللاهوتي من أخص خصائص الحالة الفلسطينية.
ورابع التمايزات سوسيولوجي: فلاهوت التحرير اللاتيني لاهوتُ أغلبية كاثوليكية تتكلم باسم نفسها، أما كايروس فلاهوتُ أقلية صغيرة متناقصة تتكلم باسم شعبٍ أغلبيتُه مسلمة؛ ومن هنا بُعدها الإسلامي–المسيحي البنيوي – «رسالتنا للمسلمين هي رسالة محبة وعيش مشترك» – ومسكونيتها الكثيفة، وتوجّهها إلى كنائس العالم بوصفها فاعلًا في الصراع لا متفرجًا عليه؛ وكلها أبعاد لا نظير لها في النموذج اللاتيني. وعليه يمكن الجواب: نعم، كايروس فلسطين لاهوتُ تحرير بالمعنى البنيوي الذي ثبّته عتيق منذ أن عنون كتابه التأسيسي عام 1989 بـ«لاهوت تحرير فلسطيني» ؛ لكنها – إذا استعرنا تمييز كوروفيلا بين خط عتيق التحرري وخط الراهب السياقي – تجمع في نصٍّ واحد بين روح التحرير ومنهج السياق. بل لعل أدق توصيف لها أنها لاهوت «تحرير ثلاثي»: تحرير الإنسان من الاحتلال، وتحرير النص من التوظيف، وتحرير الدين من الأدلجة؛ يضاف إليها تحريرٌ رابع يخص الظالم نفسه، وهو اللمسة التي تميّز كايروس حتى داخل عائلتها التحررية.
المحور الخامس: الدين والهوية الوطنية ومفهوم «المسيحي الفلسطيني»
تتقاطع الحركات السابقة كلها في سؤال الهوية: من هو «المسيحي الفلسطيني» الذي يتكلم في هذه الوثيقة؟ تجيب الوثيقة منذ مقدمتها بصيغة مزدوجة مدروسة: «نقول اليوم كلمتنا انطلاقًا من إيماننا المسيحي وانتمائنا الفلسطيني». فالهوية هنا لا تُبنى بالتراتب – مسيحي ثم فلسطيني أو العكس – بل بالاقتران: مصدران لكلمةٍ واحدة. وتؤصّل الوثيقة هذا الاقتران تاريخيًّا وجغرافيًّا: «وجودنا نحن الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، على هذه الأرض ليس طارئًا، بل له جذور متأصلة ومرتبطة بتاريخ وجغرافية هذه الأرض»، وصلتُنا بها «حق طبيعي، وليست قضية أيديولوجية، ولا مسألة نظرية لاهوتية فقط، هي قضية حياة أو موت» (الفقرتان 2-3-2 و2-3-4).
يشتغل هذا التأصيل ضد سرديتين في آن. فهو يقوّض السردية الاستشراقية–الاستعمارية التي ترى مسيحيي المشرق جسمًا غريبًا أو «أقلية محمية» تستمد وجودها من رعاية خارجية: إذ تجعل مفرداتُ «الجذور» و«الحق الطبيعي» الانتماءَ سابقًا على كل حماية ومستقلًّا عن كل امتياز ديني؛ واللافتٌ أن الوثيقة تتعمد ضمير «نحن» الجامع – «مسيحيين ومسلمين» – فلا تطالب لنفسها بموقع خاص داخل الشعب، بل تذوب في جسده الوطني وتتكلم منه. وهو يقوّض في الوقت نفسه السرديةَ التي تجعل الفلسطينيين طارئين على الأرض، إذ تقلب الوثيقة الحجة بتشخيص الظلم المزدوج: «أراد الغرب أن يعوّض عما اقترف هو في حق اليهود في بلاد أوروبا، فقام بالتعويض على حسابنا وفي أرضنا، حاول تصحيح الظلم فنتج عنه ظلم جديد» (الفقرة 2-3-2)؛ وهي صياغة تعترف بالمظلومية اليهودية الأوروبية وترفض في الوقت نفسه أن يدفع الفلسطيني ثمنها، فتفصل بين التعاطف الإنساني والتكفير عن ذنب الغير على حساب طرف ثالث.
على أن أخطر ما يتهدد هذه الهوية، بنص الوثيقة، ليس الاحتلال وحده بل الهجرة: نزيف «الشباب المثقف»، المسيحي والمسلم، تحت «غياب كل رؤية أو بارقة أمل». وردُّ الوثيقة هو تحويل البقاء نفسه إلى مقولة لاهوتية: «ندعو إخوتنا إلى الصمود في زمن الشدة هذا، كما صمدنا عبر القرون» (الفقرة 5-3)؛ والصمود هنا ليس قدريةً سلبية بل مشتق مباشر من تعريفها للرجاء: «الرجاء يعني عدم التنازل أمام الشر، بل هو الوقوف أمامه والاستمرار في مقاومته» (الفقرة 3-2). فالبقاء في الأرض فعلُ شهادةٍ بالمعنى المزدوج للكلمة – الشاهد الذي يرى ويقول، والباذل الذي يدفع الثمن – والهجرة، في المقابل، تُدرَج ضمن ما يستوجب «التوبة»: «لأننا لم نتمسك بشهادتنا في هذه الأرض، فهجرناها». وفي الفقرة نفسها تبلغ الهوية التشاركية ذروتها التعبيرية: «أخي أسير فأنا أسير، أخي دُمّر منزله فمنزلي هو المدمَّر، أخي قُتل فأنا المقتول»؛ صيغةٌ تذيب الحدود الطائفية في جسدٍ وطني واحد متألم، فتجعل «شركة المحبة» مع كل فلسطيني متألم، أيًّا كان دينه، تعريفًا عمليًّا للإيمان نفسه.
وتتجسد هذه الهوية المركبة في أوضح صورها في قسم «علامات الرجاء». فالوثيقة تعدّد ما يسند رجاء الجماعة: حيوية الرعايا وشبيبتها، والمراكز اللاهوتية المحلية، والروح المسكونية رغم تعثرها، والحوار المسيحي–الإسلامي والحوارات بين الديانات الثلاث؛ ثم تضع في القلب من هذه العلامات «صمود الأجيال، واستمرار الذاكرة التي لا تنسى النكبة ومعانيها، وإيمانها بعدالة قضيتها» (الفقرات 3-3 إلى 3-3-3). وفي هذا الإدراج دلالة تتجاوز التعداد: فذاكرة النكبة – وهي حجر الزاوية في السردية الوطنية الفلسطينية – تُحتسب هنا علامةَ رجاءٍ لاهوتية، أي تُدمَج الذاكرة الوطنية في صلب البنية الإيمانية للنص. وقلَّ أن يجد الباحث موضعًا تتجسد فيه الهوية الدينية–الوطنية بمثل هذا الوضوح: التذكر الوطني فعل إيمان، والإيمان حافظٌ للذاكرة.
ويكتمل البعد العلائقي للهوية في رسالة الوثيقة إلى الشريك المسلم. فهي «رسالة محبة وعيش مشترك، ودعوة للتخلص من التعصب والتطرف»، لكنها أيضًا – وهنا بيت القصيد – «رسالة للعالم أن المسلمين ليسوا هدف قتال أو عنوان إرهاب، بل هم هدف سلام وعنوان حوار» (الفقرة 5-4-1). فالمسيحي الفلسطيني يقدم نفسه في هذا المقطع وسيطًا ومترجمًا بين عالمين: يدافع عن صورة شريكه الوطني أمام غربٍ تتصاعد فيه الإسلاموفوبيا، بالقدر نفسه الذي يطلب فيه من هذا الغرب إنصافَ قضيته؛ وهي وظيفة وسيطية مزدوجة لا يتيحها إلا موقعه الفريد على تخوم العالمين، وتجعل من هويته جسرًا لا خندقًا.
ولا تظل هذه الهوية مقولةً خطابية، بل تستند إلى حضور مؤسسي ملموس تذكّر به الوثيقة في حديثها عن رسالة الكنيسة: فكنيستها «كنيسة بشر يصلّون ويخدمون»، صلاتها وخدمتها وجهان لشهادة واحدة، ورسالتها النبوية تقتضي أن تقول كلمة الحق «وتقف مع المظلومين» (الفقرات 3-4 إلى 3-4-2). والخدمة هنا ليست استعارة: فوراء النص شبكةُ مدارس ومستشفيات ومؤسسات اجتماعية كنسية منغرسة في النسيج الفلسطيني تخدم الجميع بلا تمييز، تجعل من «المسيحي الفلسطيني» حقيقةً اجتماعية يومية يلمسها شركاؤه في الوطن قبل أن تكون مفهومًا في وثيقة. وبهذا تكتمل المعادلة التي يقترحها النص: هوية تُعاش خدمةً وصمودًا قبل أن تُكتب لاهوتًا.
وبهذا تنجز الوثيقة قلبًا كاملًا لمنطق الديموغرافيا الذي يلاحق مسيحيي فلسطين: «عددنا قليل، ولكن رسالتنا كبيرة ومهمة» (الفقرة 5-4)؛ فالقيمة تُقاس بالرسالة لا بالعدد، والرسالة معرَّفة تعريفًا علائقيًّا: «محبتنا هي رسالة للمسلم ولليهودي وللعالم». أي أن «المسيحي الفلسطيني» يُعرَّف بما يعطيه للكل، لا بما يحتمي به من الكل. وتجد هذه الهوية المركّبة رمزها المكاني في القدس، «القاعدة الروحية لرؤيتنا ولحياتنا كلها»، المدينة التي «فيها اليوم شعبان وثلاث ديانات»، والتي يستدعي النص لها رؤيا أشعيا عن جبل الرب الذي «تجري إليه جميع الأمم» (الفقرة 9-4) ؛ فالمدينة الجامعة صورة مكبَّرة عن الذات الجامعة. وهكذا يكتمل المفهوم: «المسيحي الفلسطيني» في كايروس ليس بقيةً تاريخية تُحفَظ، بل ذاتٌ لاهوتية فاعلة تشهد؛ وهي الذات التي نظّر الراهب لاستمراريتها عبر الإمبراطوريات المتعاقبة على هذه الأرض، والتي تصفها الوثيقة بأنها تحمل «قوة المحبة بدل قوة الانتقام، وثقافة الحياة بدل ثقافة الموت».
المحور السادس: النقد من الداخل: حدود التأويل في لاهوت كايروس فلسطين
بعد قراءة وثيقة كايروس فلسطين في سياقها السياسي واللاهوتي، لا تبدو الحاجة إلى نقدها نابعة من التشكيك في جوهر القضية التي تنطلق منها. فالاحتلال والاقتلاع ومصادرة الأرض وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ليست قضايا يمكن وضعها ببساطة في كفتين متساويتين باسم الحياد. ومن هذا المنطلق، تكمن قيمة كايروس الأساسية في أنها أعادت إدخال صوت المسيحي الفلسطيني إلى النقاش اللاهوتي والسياسي، ورفضت أن يُستخدم الكتاب المقدس لتبرير السيطرة على شعب آخر. غير أن الدفاع عن هذا الموقف لا يعفي الباحث من مساءلة الأدوات اللاهوتية التي استخدمتها الوثيقة للوصول إليه؛ بل إن النقد هنا يأتي من داخل مشروعها نفسه، لأن اختبار قوة لاهوت فلسطيني يقتضي مساءلة منطقه الداخلي لا الاكتفاء بتأييد غايته السياسية.
وتظهر هنا المسألة الأكثر أهمية في قراءة كايروس نقديًا: الوثيقة لا تكتفي بالقول إن الاحتلال يتعارض مع العدالة المسيحية، وإنما تعيد بناء علاقتها بالكتاب المقدس على أساس أن ما ينسجم مع العدل والمحبة والكرامة الإنسانية يمثل جوهر القراءة المسيحية الصحيحة. وهذا يمنحها قوة أخلاقية واضحة، لكنه يفتح سؤالًا لاهوتيًا مباشرًا: هل تستمد الوثيقة معيار العدل من الكتاب المقدس، أم أنها تدخل إلى الكتاب وهي تحمل تصورًا سابقًا عن العدل ثم تعيد تفسير النصوص في ضوئه؟ يكتسب السؤال أهميته لأن الوثيقة نفسها تعلن أن استخدام الكتاب المقدس لتبرير «خيارات ومواقف سياسية فيها ظلم» يحول الدين إلى أيديولوجية، وفي الوقت نفسه تجعلها هي ذاتها منطلقًا لتحديد معنى الظلم والعدل وتفسير النص على أساسهما.
لا يعني ذلك أن مفهوم العدالة عند كايروس دخيل على المسيحية أو أن حقوق الفلسطينيين تحتاج إلى تبرير خارجي حتى تصبح مشروعة. فالوثيقة تجد داخل التقليد المسيحي نفسه أساسًا قويًا للدفاع عن المظلوم ورفض الظلم والعنف والاقتلاع. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعود النص مصدرًا للمعيار فقط، بل يصبح أيضًا موضوعًا للحكم بواسطة معيار أخلاقي تشكل جزئيًا في السياق الفلسطيني المعاصر. عند هذه النقطة تنتقل العلاقة بين النص والسياق من مجرد الاستفادة من التاريخ إلى احتمال أن يصبح التاريخ شريكًا في تحديد ما يمكن للنص أن يعنيه وما لا يمكنه أن يعنيه.
غير أن هذه النتيجة لا تستنفد قراءة الوثيقة؛ فقد أظهرت القراءة النقدية أن اتساق بنائها لا يلغي توترًا داخليًا في توزيع السلطة التأويلية. فالوثيقة تستمد شرعية نقدها من عدل تعتبره إلهيًا، لكنها تستخدم في الوقت نفسه خبرة الظلم الفلسطيني بوصفها موقعًا لإعادة تحديد معنى النص ومراتب دلالاته. ولذلك فإن قوتها لا تكمن فقط في إعادة النص إلى الفلسطيني، بل في تحويل تجربة الفلسطيني إلى موقع منتج للمعرفة اللاهوتية؛ وهو تحول يمنحها قوة تفسيرية كبيرة، لكنه يجعل هذا الموقع نفسه محتاجًا إلى النقد حتى لا يتحول السياق من مفتاح للقراءة إلى حكم مسبق عليها.
ويظهر هذا التوتر بوضوح في تعامل الوثيقة مع نصوص الأرض والوعد والاختيار. فقد كان من الضروري، في مواجهة القراءات التي تستخدم هذه النصوص لتبرير المشروع الصهيوني، أن ترفض كايروس تحويل الوعد الكتابي إلى سند سياسي لاحتلال الأرض الفلسطينية. وهذه خطوة لاهوتية وسياسية مهمة، لكنها لا تنهي المشكلة التأويلية. فبعد تجاوز القراءة الصهيونية يبقى السؤال: ماذا يحدث للنصوص التي لا تنسجم بسهولة مع تصور الوثيقة عن الأرض والعدل؟ هل تعاد قراءتها في إطار كريستولوجي؟ هل ينقل معناها من المجال القومي إلى المجال الكوني؟ أم أن معيار عدالتها يُحسم أولًا من خلال النتائج التي تُفضي إليها؟ هنا تصبح الانتقائية أقل أهمية من القاعدة التي تحكمها؛ لأن القضية ليست فقط أي نص اختارته الوثيقة، بل من الذي يقرر أن معنى معينًا هو الأقرب إلى «كلمة الله» في هذه اللحظة التاريخية.
ويزداد الأمر وضوحًا في اعتماد الوثيقة على معيار وظيفي أخلاقي للتأويل. فهي تحاكم القراءة بحسب ثمرتها: هل تنتج حياة أم موتًا، عدلًا أم ظلمًا؟ وهذا معيار قوي في سياق مقاومة توظيف الدين لتبرير القتل والاقتلاع، لكنه يطرح تحديًا لاهوتيًا إذا أصبح معيارًا حاسمًا للحقيقة النصية. ففي المنظور الديني، لا يكون العدل مجرد نتيجة أخلاقية تقيسها التجربة البشرية، بل مفهومًا يرتبط بإرادة الله وطبيعته وما يعدّه الوحي خيرًا وشرًا. ولذلك فإن استعمال «العدل» للحكم على النص يتطلب بيان العلاقة بين العدل كما يكشفه النص، والعدل كما تصوغه الخبرة البشرية المعاصرة. وإلا تحولت الأخلاق من ثمرة للتأويل اللاهوتي إلى سلطة سابقة عليه.
وتظهر هنا، في تقديري، إحدى أكثر الخصائص عمقًا في لاهوت كايروس: الوثيقة لا تخرج السياسة من عملية التأويل، وإنما تعيد تحديد موقعها داخلها. فهي ترفض أن يصبح النص مصدرًا مباشرًا لشرعنة مشروع سياسي، لكنها في الوقت نفسه تنطلق من واقع سياسي محدد لتعيد ترتيب الأولويات التأويلية داخل النص. وهذا ليس عيبًا في ذاته، لأن اللاهوت السياقي لا يمكن أن يوجد خارج التاريخ؛ لكن الفارق مهم بين سياق يطرح الأسئلة على النص وسياق يحدد مسبقًا الإجابات التي يستطيع النص تقديمها. وفي هذه المنطقة بالذات يتحدد الحد الفاصل بين التأويل السياقي والتأويل الذي يصبح فيه السياق سلطةً نهائية.
ومن هنا يمكن فهم مفهوم «المسيحي الفلسطيني» الذي قدمته الوثيقة بصورة تتجاوز كونه هوية دينية أو وطنية. فالمسيحي الفلسطيني في كايروس ليس فقط شخصًا يعيش في فلسطين ويمارس المسيحية، بل صاحب تجربة تمنحه موقعًا خاصًا في إنتاج الخطاب اللاهوتي. المعاناة الفلسطينية لا تظهر موضوعًا تتحدث عنه الكنيسة من الخارج، وإنما تصبح موقعًا تتكلم الكنيسة من خلاله إلى العالم وتقرأ منه الكتاب والإيمان والعدل. وهذه نقطة قوة حقيقية؛ لأنها تمنح الفلسطيني حق الكلام باسمه، وتكسر احتكار الآخرين لتفسير تجربته. لكنها تفتح أيضًا سؤالًا نقديًا: هل تمنح المعاناة صاحبها بالضرورة قدرة أكبر على إنتاج القراءة الأكثر عدلًا للنص؟ أم أن المعاناة، رغم ضرورتها الأخلاقية، يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى مصدر لتحيز تأويلي إذا أصبحت معيارًا نهائيًا للحقيقة؟
والتمييز هنا ضروري. الاعتراف بالمظلومية الفلسطينية لا يعني منح موقع المظلوم حصانة من المراجعة، كما أن النقد العلمي لا يستلزم الوقوف على مسافة واحدة من المظلوم والاحتلال. فالمسألة ليست تبرئة الاحتلال باسم الموضوعية، وإنما فهم الكيفية التي تحولت بها التجربة الفلسطينية إلى معرفة لاهوتية. الموضوعية في هذه الحالة تعني أن نسأل كيف تعمل التجربة في إنتاج المعنى: ما الذي تجعلنا نراه بوضوح، وما الذي قد تجعلنا نغض الطرف عنه؟ وبهذا تصبح الخبرة الفلسطينية مصدرًا معرفيًا أساسيًا، لا سلطةً مطلقة على النص.
وهنا يمكن تسجيل ملاحظة أخرى تتصل بمفهوم «النبوية» في الوثيقة. فالكنيسة عند كايروس تكتسب شرعية كلامها النبوي من وقوفها مع المظلوم ومن قدرتها على قول كلمة الحق في وجه الظلم. وهذا أمر منسجم مع تقليد الأنبياء ومع روح الوثيقة، لكنه يثير بدوره سؤالًا حول العلاقة بين موقع المتكلم وصحة ما يقوله. فهل يصبح القول أكثر صدقًا لأنه صادر عن جماعة تعاني الاحتلال، أم أن صدقه اللاهوتي يحتاج، فوق موقع المتكلم، إلى اختبار نصي وتأويلي مستقل؟ إن الإجابة تميل في كايروس إلى الجمع بين الاثنين، لكن ميزان القوة يبدو راجحًا للسياق؛ لأن الوثيقة تجعل التجربة الفلسطينية مدخلًا إلى قراءة الكتاب، لا مجرد مناسبة لتطبيقه.
ومن هذه الزاوية، فإن القول إن كايروس «تحرر النص» يحتاج إلى تدقيق. لقد حررت الوثيقة النص فعلًا من احتكار قراءة صهيونية مسيحية تجعله سندًا لإقصاء الفلسطيني، لكنها في الوقت نفسه أعادت تشكيل العلاقة بين النص والقارئ والسياق. ولذلك فإن الأهم ليس القول إنها استبدلت تفسيرًا بتفسير، بل أنها غيّرت موقع السلطة التأويلية: النص لم يعد يتكلم وحده، والسياق لم يعد مجرد خلفية؛ بل نشأ بينهما ترتيب جديد تتولى فيه تجربة الجماعة الفلسطينية تحديد الأسئلة الأخلاقية الكبرى التي ينبغي أن يجيب عنها النص. وهذه، في تقديري، إحدى النتائج التي تكشفها القراءة الداخلية لبنية الوثيقة أكثر مما يكشفها تصنيفها العام بوصفها لاهوت تحرير.
ولا ينبغي أن يقود هذا النقد إلى استنتاج أن كايروس تقع في الخطأ نفسه الذي تنتقده لدى المسيحية الصهيونية. الفارق بين المشروعين جوهري؛ فالمسيحية الصهيونية تستخدم النص لتبرير مشروع سياسي محدد، بينما تستخدم كايروس الإيمان لمقاومة الاحتلال والدفاع عن المظلوم وتأكيد التعايش ورفض الكراهية. لكن وجود هذا الاختلاف لا يمنع المقارنة على مستوى أعمق: كلاهما يقرأ النص داخل سياق تاريخي وسياسي، وكلاهما يمنح بعض المعاني الكتابية مركزية أكبر من غيرها. ولذلك فإن المسألة النقدية ليست وجود السياق، بل مقدار السلطة التي يمنحها كل اتجاه للسياق في تحديد المعنى.
وتصبح كايروس، في هذه الحالة، أقوى لاهوتيًا كلما استطاعت أن تثبت أن رفض الاحتلال والاقتلاع والتمييز ليس مجرد ترجمة حديثة لمفاهيم حقوق الإنسان إلى لغة دينية، بل نتيجة يمكن الدفاع عنها من داخل الإيمان المسيحي نفسه. فكلما كان الحكم على الاحتلال متصلًا بتصور مسيحي للإنسان المخلوق على صورة الله، وبمسؤولية الإنسان تجاه أخيه، وبوصية المحبة، وبالنقد النبوي للظلم، قلّ خطر أن تصبح الأخلاق الخارجية هي الحَكَم النهائي على النص. وعندها لا يعود السياق الفلسطيني خصمًا للنص، بل يصبح مجالًا لاختبار قدرته على قول كلمة حق داخل التاريخ.
وعليه، فإن النقد الحقيقي لكايروس لا ينبغي أن يكون نقدًا خارجيًا يساوي بين الاحتلال والمقاومة، ولا نقدًا يطالب الوثيقة بالحياد تجاه الظلم. النقد الأدق هو أن نسأل كيف تحولت العدالة من قيمة لاهوتية إلى معيار تأويلي، وكيف تحولت تجربة الفلسطيني من سياق ينتج الأسئلة إلى موقع يشارك في إنتاج الأجوبة. فإذا حافظت الوثيقة على قدرة النص على مساءلة السياق كما يسمح السياق بمساءلة النص، فإنها تقدم نموذجًا ناضجًا للاهوت سياقي. أما إذا أصبح السياق الفلسطيني هو الذي يحدد مسبقًا كل ما يمكن أن يكون عدلًا أو ظلمًا في النص، فإن اللاهوت يفقد جزءًا من قدرته النقدية على مراجعة الذات.
بهذا المعنى، لا تكشف القراءة النقدية حدًا في موقف كايروس السياسي من الاحتلال، بل تكشف حدًا في بنائها التأويلي. فالمشكلة ليست أن الوثيقة انحازت إلى الفلسطيني؛ بل أن السؤال اللاهوتي الأعمق هو كيف تُنتج هذه الانحيازات معناها داخل النص، ومن أين تستمد شرعيتها. وما يجعل كايروس مهمة علميًا هو أنها تضع الباحث أمام هذه المشكلة بصورة مباشرة: إذا كان الكتاب المقدس قد استُخدم تاريخيًا لتبرير اقتلاع الفلسطيني، فمن الضروري إعادة قراءته؛ لكن إعادة القراءة نفسها تحتاج إلى معيار يفسر لماذا تكون قراءة ما تحريرًا وقراءة أخرى تحريفًا. وهنا يصبح السؤال عن سلطة التأويل أهم من السؤال عن الموقف السياسي الذي ينتهي إليه التأويل.
وبذلك يمكن النظر إلى وثيقة كايروس بوصفها مشروعًا لاهوتيًا فلسطينيًا قويًا في مواجهة توظيف الدين لتبرير الاحتلال، لكنه ليس مشروعًا مكتملًا من الناحية التأويلية. قوته الأساسية أنه أعاد للكنيسة الفلسطينية حقها في الكلام من داخل تجربتها، وربط الإيمان بالمسؤولية تجاه الإنسان والأرض والحرية. أما حدّه الأساسي فيتمثل في الحاجة إلى إبقاء العلاقة بين النص والسياق مفتوحة على المراجعة، بحيث لا يتحول الدفاع المشروع عن المظلوم إلى سلطة نهائية على النص. ومن هنا تصبح جدة القراءة النقدية لهذه الدراسة في إبراز أن كايروس لا تعيد تفسير الكتاب المقدس فحسب، بل تعيد أيضًا توزيع السلطة بين النص والجماعة والسياق في عملية إنتاج المعنى اللاهوتي.
الخاتمة
سعت هذه الدراسة إلى قراءة وثيقة كايروس فلسطين بوصفها بنية لاهوتية واحدة لا بيانًا مناسباتيًّا، وتبيّن أن محاورها حركاتٌ داخل مفاوضة واحدة بين كونية الإيمان وخصوصية السياق: فالإيمان بإلهٍ عادل فرض تسمية الاحتلال خطيئةً (المحور الأول)؛ والتسمية استلزمت استعادة النص الكتابي من تأويلٍ يوظّفه ضد المظلوم (الثاني)؛ والاستعادة اقتضت فكَّ الاقتران بين اليهودية والصهيونية حتى لا ينقلب نقدُ المشروع عداءً للدين (الثالث)؛ والمجموع تعيّن شكلًا تحرريًّا متمايزًا قوامه المقاومة بمنطق المحبة (الرابع)؛ وحملته ذاتٌ جديدة هي «المسيحي الفلسطيني» شاهدًا لا محميًّا (الخامس).
وعليه يمكن الجواب عن سؤال الدراسة: صاغت الوثيقة لاهوتها باتخاذ شرط الاحتلال نقطةَ انطلاق هرمنيوطيقية لا موضوعًا خارجيًّا؛ وتمايزها داخل عائلة لاهوت التحرير يقوم على معيار تأويلي وظيفي يحاكم التفسير بثمرته الأخلاقية، ومركزية الأرض والنص بدل الطبقة، وحسم اللاعنف تأصيلًا وغاية، وشمول الظالم في أفق التحرير. غير أن القراءة النقدية تضيف إلى ذلك أن هذا البناء يمنح السياق الفلسطيني دورًا يتجاوز طرح الأسئلة إلى المشاركة في تحديد المعنى، فتغدو العلاقة بين النص والسياق جزءًا من المشكلة اللاهوتية نفسها. ومن ثم لا تكمن مساهمة الدراسة في إظهار اتساق مواقف الوثيقة فقط، بل في كشف الكلفة التأويلية لهذا الاتساق وحدوده.
وللدراسة وجهُ مساهمةٍ آخر يتصل بلغتها وجمهورها. فالأدبيات الأكاديمية حول الوثيقة ومدرستها إنجليزية في معظمها، مع أن النص وُلد بالعربية ومن سياق عربي وخوطب به، في ما خوطب، قارئٌ عربي. وإعادة قراءة الوثيقة بالعربية ولأجل القارئ العربي تعيدها إلى فضائها الأول، وتختبر مقولاتها أمام جمهورها الطبيعي من مسلمين ومسيحيين، وتضيء حقلًا – هو اللاهوت الفلسطيني المعاصر – قلّما يحضر في الدراسات العربية للفكر الديني الحديث إلا عرضًا، رغم أنه من أخصب مواضع التقاء الديني بالوطني في الثقافة العربية الراهنة.
على أن لهذا اللاهوت حدودًا ينبغي تسجيلها. فتلقّيه الكنسي الرسمي ظل متفاوت الحرارة بين ترحيب رؤساء كنائس القدس وتحفّظ آخرين؛ وظل عرضةً لنقدٍ مضاد يتهمه بالاستبدالية أو بأحادية تحميل المسؤولية، وقد بيّنا أن في النص ما يجيب وما يُبقي التوترَ مفتوحًا؛ ثم إن فاعليته السياسية المباشرة بقيت محدودة: فالواقع الذي وصفه عام 2009 لم يزدد إلا قسوة، وهي محدودية يشاركه فيها كل خطاب نبوي لا يملك سوى الكلمة.
وتقدم الحالة المدروسة، فيما يتجاوز موضوعها المباشر، إسهامًا في نظرية اللاهوت السياقي ذاتها: فهي تختبر النموذج في أقصى شروطه، حيث النص المؤسس نفسه موضع نزاع وسلاح بيد الخصم، وتقترح في مواجهة هذا المأزق معيارًا أخلاقيًا لتقويم التأويل. غير أن هذه الدراسة تضيف أن معيار الثمار نفسه يحتاج إلى تقويم لاهوتي، حتى لا تتحول «العدالة» من قيمة مستمدة من الإيمان إلى معيار سابق يحاكم به الإيمان. وهذا يفتح مسارًا بحثيًا أوسع حول حدود سلطة السياق في اللاهوت الفلسطيني المعاصر.
غير أن مقياس النصوص المؤسِّسة ليس أثرها الفوري بل قدرتها على التناسل. وقد تحوّلت «وقفة حق» خلال عقد ونصف من وثيقة إلى حركة: شبكات «كايروس» عالمية، ومؤتمرات سنوية، ونداء «صرخة رجاء» (2020) الذي صعّد خطابها تجاه الكنائس ، وصولًا إلى «وثيقة كايروس فلسطين الثانية» الصادرة في بيت لحم في 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 بعنوان «وقفة حق: الإيمان في زمن الإبادة»، والتي يعلن واضعوها أنهم يجددون وقفةَ الحق الأولى في زمنٍ وصفوه بأنه «زمن إبادة وتطهير عرقي وتهجير قسري... لحظة مصير، ولحظة حقيقة في آنٍ معًا». وفي هذا التجدد ذاته برهانٌ أخير على أطروحة هذه الدراسة: فاللاهوت الذي وُلد من سياقه لا يشيخ بانقضاء لحظته، بل يظل قالبًا حيًّا يُعاد صبُّه كلما اشتد السياق؛ وتلك، في التحليل الأخير، علامة اللاهوت السياقي الناجح: أن يبقى قادرًا على قول كلمة إيمان ورجاء ومحبة من قلب معاناةٍ لم تنتهِ بعد.
قائمة المراجع
أولًا: المصادر الأولية
وثيقة كايروس فلسطين. «وقفة حق: كلمة إيمان ورجاء ومحبة من قلب المعاناة الفلسطينية». بيت لحم: المبادرة المسيحية الفلسطينية المسكونية، كانون الأول/ديسمبر 2009. النص العربي الرسمي على الموقع: www.kairospalestine.ps؛ ومعاد نشره في موقع مركز المعلومات الوطني الفلسطيني «وفا».
المبادرة المسيحية الفلسطينية المسكونية. «وثيقة كايروس فلسطين الثانية – وقفة حق: الإيمان في زمن الإبادة». بيت لحم، 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. www.kairospalestine.ps.
Kairos Palestine and Global Kairos for Justice. “Cry for Hope: A Call to Decisive Action.” 2020. www.cryforhope.org.
The Kairos Theologians. The Kairos Document: Challenge to the Church – A Theological Comment on the Political Crisis in South Africa. Johannesburg, 1985; 2nd rev. ed., Grand Rapids: Eerdmans, 1986.
ثانيًا: المراجع
Ateek, Naim Stifan. A Palestinian Theology of Liberation: The Bible, Justice, and the Palestine-Israel Conflict. Maryknoll, NY: Orbis Books, 2017.
Ateek, Naim Stifan. Justice and Only Justice: A Palestinian Theology of Liberation. Maryknoll, NY: Orbis Books, 1989.
Ateek, Naim, Cedar Duaybis, and Maurine Tobin (eds.), Challenging Christian Zionism: Theology, Politics and the Israel-Palestine Conflict. London: Melisende, 2005.
Bevans, Stephen B. Models of Contextual Theology. Rev. ed. Maryknoll, NY: Orbis Books, 2002.
Brueggemann, Walter. The Land: Place as Gift, Promise, and Challenge in Biblical Faith. 2nd ed. Minneapolis: Fortress Press, 2002.
Ellis, Marc H. Toward a Jewish Theology of Liberation. Maryknoll, NY: Orbis Books, 1987.
Gregerman, Adam. “Old Wine in New Bottles: Liberation Theology and the Israeli-Palestinian Conflict.” Journal of Ecumenical Studies, vol. 41, no. 3-4 (2004), pp. 313–340.
Gutiérrez, Gustavo. A Theology of Liberation: History, Politics, and Salvation. Translated by Caridad Inda and John Eagleson. Maryknoll, NY: Orbis Books, 1973.
Isaac, Munther. From Land to Lands, from Eden to the Renewed Earth: A Christ-Centred Biblical Theology of the Promised Land. Carlisle: Langham Monographs, 2015.
Kuruvilla, Samuel J. Radical Christianity in Palestine and Israel: Liberation and Theology in the Middle East. London: I.B. Tauris, 2013.
Raheb, Mitri. Faith in the Face of Empire: The Bible through Palestinian Eyes. Maryknoll, NY: Orbis Books, 2014.
Raheb, Mitri. I Am a Palestinian Christian: God and Politics in the Holy Land: A Personal Testimony. Minneapolis: Fortress Press, 1995.